الكاميرا في خط النار: وثائقية غزة تجتاح الوجدان في مهرجان الجونة السينمائي
ينفتح المشهد على فوضى عارمة وركام يتصاعد من عمارة سكنية سوتها غارة إسرائيلية بالأرض، بينما يتسابق مصور نحو دخان الموت في المشهد الاستهلالي لوثائقي غزة "المواطن أسامة" الذي يشارك ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في مهرجان الجونة السينمائي، وهو إنتاج مشترك بين فلسطين وفرنسا. الفيلم، الذي يحمل توقيع المخرج الفلسطيني أحمد حسونة، يتصدر واجهة الأعمال المشاركة في الجونة هذا العام إلى جانب باقة من الأفلام التي تسلط الضوء على فلسطين. الفيلم الذي اختير ليمثل فلسطين في سباق الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي لعام 2027، يعري بصراحة واقع الصحفي الفلسطيني الذي يعاني تماماً كأي إنسان آخر داخل قطاع غزة، فهو ليس مجرد آلة تصوير صماء، بل إنسان يعارك لنيل قطرة ماء، ويستميت بحثاً عن رغيف خبز، ويطارده القلق بلا هوادة وهو يحاول تدبير قطرة حليب لطفله الرضيع أو لقمة تسد جوع زوجته كي تتمكن من إرضاع وليدها. يقتنص الوثائقي ببراعة مذهلة المشهد المروع لمدينة غزة وهي تحاكي يوم القيامة، شوارعها وقد تحجرت وتدثرت بالركام وحديد التسليح الملتوي، مجسداً جسامة المسؤولية الباهظة التي ينوء تحتها من تبقى من الصحفيين الميدانيين على الأرض، حيث نشاهد الصحفي الذي يوثق العاهات والمآسي للعالم، يعيش هو ذاته تفاصيل تلك المأساة خلف العدسة. في السياق ذاته، وثقت منظمات حقوقية وخبراء أمميون وهيئات نشطاء اتهامات صارخة لإسرائيل بتعمد استهداف الصحفيين الفلسطينيين، إذ تشير إحصاءات لجنة حماية الصحفيين إلى ارتقاء أكثر من مئتي صحفي في غزة منذ أكتوبر 2023. ومن هذا المنطلق، يتتبع فيلم "المواطن أسامة" تفاصيل اغتيال مراسل قناة الجزيرة إسماعيل الغول في غارة جوية إسرائيلية منتصف عام 2024، وهي الجريمة التي أثارت موجة تنديد دولية واسعة. في التفاصيل، كان أسامة العشي يلتقط غزة بفضائه الفني وبعين الفنان العاشق للتفاصيل، لكنه اليوم، وفي شمالها المحاصر، يقف حاملاً كاميرته ليرصد أهوال القصف ومظاهر الدمار الشامل، مدوناً تفاصيل حيازة الحياة لنفوس تتشبث بالبقاء. غير أن حس المسؤولية لديه يكتسب طابعاً أكثر حميمية وإلحاحاً؛ فقد ولد طفله وسط أوار هذه الحرب الضروس، ليصبح كل خروج للميدان اقتطاعاً مؤلماً من جسد العائلة، ورحلة محفوفة بالخطر تبعده عن زوجته ووليده. في هذا الواقع، قد يستغرق البحث عن قطرة ماء أو كسرة خبز أو حبة حليب يوماً بأكمله، بينما يبقى أمل العودة سالماً من كل مهمة حلمًا غير مضموني العواقب. من هنا، يرافقه صديقه المخرج أحمد حسونة، الذي يشاركه الأخطار ذاتها، متتبعاً أسامة في تنقله بين شوارع يوثق خرابها وبيته الذي تنتظره فيه عائلته بقلوب وجلة. تمنح هذه الصداقة فيلم "المواطن أسامة" قرباً استثنائياً ونادراً من روح الحدث؛ فعدسة حسونة تلتصق بتلك التفاصيل الصغيرة الشاقة التي تضمن استمرار البيت، في الوقت الذي تسجل فيه عدسة أسامة حجم الدمار المهول في الخارج. عبر هذا التناغم، يبرز أسامة ليس فقط كمصور أو زميل مهنة، بل كأب يحتفظ بدفئه وحسه الفكاهي ورقتِهِ العميقة تحت وطأة ضغوط هائلة لا تطاق. وفي هذا السياق، يأتي المونتاج الموزون الذي صاغه دينيس لو بافن ليعيد لم شمل هذه الشظايا الإنسانية في إطار واحد متماسك؛ إذ ينال البحث عن وجبة طعام وقتاً واهتماماً كامليْن، لأن الجوع في هذا الفيلم ليس مجرد استراحة بين الحوادث، بل هو جوهر القصة ونسيجها الأساسي. ينطلق الفيلم من لحظة ميلاد الطفل، ليتتبع خطوات الأسرة عبر عامه الأول، وهو ما يمنح الشهادة التاريخية مقياساً إنسانياً فريداً؛ فكل يوم يُسجل في الأرشيف هو في الوقت ذاته يوم يتفتح في عمر هذا الطفل الصغير. يدرك حسونة بذكاء المخرج حجم الصعوبة البالغة في مطالبة صحفي بتوثيق كارثة يكتوي بنارها هو شخصياً؛ فالخطر المحدق بمهنته يتسلل إلى قلب المنزل مع كل غياب، ومع كل تأخر في العودة، ومع كل حاجة ملحة تعجز الكاميرا عن تلبيتها. قد يكون فيلم "المواطن أسامة" تجربة سينمائية قاسية ومؤلمة وجدانياً في كثير من لحظاته، لكن قوته الخالدة تنبع أساساً من احتفائه بمدلول الرعاية والعناية: جهد صون الحياة من جهة، وتوثيق الحقيقة لأولئك الذين لم يتسن لهم شهودها من جهة أخرى.

هذا الخبر منقول من مصدره الإخباري. يمكنك متابعة التفاصيل الكاملة من المصدر الأصلي.
مدى العالم
المزيد من الأخبار

Le général de corps d’armée Saïd Chanegriha reçoit le ministre de la Défense nationale de la République du Niger

رائد حمادة يعلن ترشحه لتمثيل قطاع المواد الغذائية في غرفة تجارة الأردن

وفاة شخص بحريق شقة في العاصمة
أمير الشرقية يترأس اجتماع لجنة السلامة المرورية بالمنطقة

معلومات للـLBCI: اليوم الاول من المحادثات اللبنانية - الاسرائيلية برعاية أميركية عادة يكون من دون أي نتائج بانتظار ان تتوضح الصورة في اليوم الثاني

معلومات للـLBCI: تم البحث في اليوم الاول بآلية التحقق لكن الامر بحاجة الى مزيد من الدرس خاصة لناحية الجهة التي ستتولى التحقق

معلومات للـLBCI: اليوم الثاني من المحادثات العسكرية اللبنانية الاسرائيلية براعية اميركية تبدأ بعد قليل في تامبا
