معرض باريس الدولي للسيارات يشهد انقلابًا تاريخيًّـا فـي ميـزان القـوى بيـن أوروبـا والصيـن
تحولت العاصمة الفرنسية باريس مؤخرًا إلى حلبة لأشرس صراع تشهده صناعة السيارات العالمية منذ عقود؛ حيث تحولت أروقة “معرض باريس الدولي للسيارات” في نسخته لعام 2026 إلى خط دفاع استراتيجي تقف عليه كبرى الشركات الأوروبية العريقة التي سجلت عودتها بعد سنوات طويلة من الغياب، في محاولة يائسة لحماية أسواقها المحلية وأرض أجدادها من الاختراق الكاسح. ولم تعد العلامات التجارية القادمة من الصين تقف عند بوابة القارة القديمة لتستجدى موطئ قدم، بل إنها تجاوزت الأسوار بالفعل واستقرت في قلب المنظومة الاقتصادية والإنتاجية الأوروبية، لتفرض واقعًا جديدًا يقلب موازين القوى التي استقرت لأكثر من مئة عام. تشير أرقام الدورة الحالية للمعرض الذي يُقام كل عامين إلى مشاركة نحو ستين علامة تجارية عالمية، مسجلة قفزة ملحوظة بنسبة خمسة وعشرين بالمئة مقارنة بنسخة عام 2024. وكان الحضور الصيني هو المحرك الأساسي لهذا الزخم، حيث انتشرت نحو عشرين علامة تجارية صينية عبر منصات العرض، وهو ضعف الرقم المسجل قبل عامين فقط، ليمثل الصينيون وحدهم نحو ثلث إجمالي شركات سيارات الركاب المشاركة في المعرض. هذا التمدد المكثف لم يكن مجرد استعراض بروتوكولي للأجهزة والتقنيات الحديثة، بل جَسّد هجومًا استراتيجيًا سريعًا اقتطع حصصًا سوقية متزايدة من القارة؛ إذ تعكس البيانات الصادرة عن مركز “شميدت أوتوموتيف ريسيرش” للأبحاث أن العلامات الصينية استحوذت على 10.7 % من إجمالي مبيعات السيارات في أوروبا خلال الربع الثاني من هذا العام، مرتفعة من 5.7 % في الفترة ذاتها من العام الماضي. وفي شهر أغسطس وحده، واصلت هذه النسبة صعودها لتصل إلى 11.3 % من إجمالي المبيعات عبر دول الاتحاد الأوروبي والرابطة الأوروبية للتجارة الحرة والمملكة المتحدة، مما يعني صراحة أن أكثر من سيارة واحدة من بين كل عشر سيارات جديدة تُباع اليوم داخل النطاق الأوروبي تحمل شعارًا صينيًا. على الأرض، لم ينتظر الشغوفون بعالم المحركات انطلاق شارة البداية أو قص الشريط الرسمي لمعرض باريس الدولي للسيارات، بل رسموا أمام بوابات العرض مشاهد استثنائية من الترقب والحماس الحقيقي. فمنذ الصباح الباكر، احتشدت أعداد غفيرة من الزوار والمهتمين متزاحمين أمام المداخل الرئيسة، في مشهد يعكس المكانة الراسخة التي يستحوذ عليها هذا الحدث العالمي، ويؤكد أن الشغف الإنساني بالتصميم والابتكار لا يزال هو المحرك الأول لأروقة العاصمة الفرنسية. ومع إعلان الصفحة الرسمية للمعرض عن فتح الأبواب رسميًا وانطلاق أيام الزيارة العامة، تحولت القاعات المغلقة من مرحلة العروض الصحفية الهادئة والمؤتمرات المغلقة إلى مرحلة الاختبار الجماهيري الصريح؛ حيث تبدأ القصة الحقيقية عندما يلامس الزوار التفاصيل بأنفسهم بعيدًا عن أضواء الكاميرات وزوايا التصوير الدعائية. فقد تحولت أجنحة الشركات الكبرى إلى ساحات حية للتفاعل المباشر، يتدفق عبرها الجمهور لاستكشاف ما وصلت إليه أحدث الطرازات الكهربائية، وفحص التجهيزات الذكية داخل المقصورات، والاستمتاع بالسيارات الرياضية عالي الأداء والتقنيات المستقبلية التي تزخرف بها نسخة هذا العام. وتكتسب الدورة الحالية أهمية استثنائية؛ إذ تصطدم فيها الفلسفات التصميمية بشكل مباشر أمام عيون الزوار، بين شركات تقود اتجاهات الحاضر بالاعتماد على المدى الممتد للبطاريات وسرعة الشحن الخاطفة، وأخرى تستعيد أمجاد أسماء تاريخية وتُعيد صياغتها بروح عصرية ساحرة. وفي خضم هذا الزخم، يخوض المارد الصيني مواجهة مباشرة جديدة أمام الجمهور الأوروبي لاستعراض قدراته التنافسية وتثبيت أقدامه في القارة. إن انطلاق الزيارات الجماهيرية يضع الجميع أمام المحك التنافسي الفعلي، حيث لم يعد الرهان محصورًا في الأرقام الفنية والقوة الحصانية المعروضة على الشاشات، بل يتجاوزه إلى مدى قدرة كل علامة تجارية على سلب أنظار الزوار وتحويل حضورها إلى تجربة إنسانية ملهمة. وإذا كانت المصانع والشركات قد أنجزت مهمتها في الكشف عن أوراقها ومفاجآتها خلال الأيام الماضية، فإن الكلمة الأخيرة باتت اليوم في يد الجمهور وحده ليحدد بصفائه وانطباعاته المباشرة أيًا من هذه الأيقونات تستحق بالفعل أن تخطف الأضواء وتتوج على عرش باريس. وعلى صعيد الأرقام المباشرة للمبيعات، سجلت شركة “بي واي دي” تسجيل 26,000 مركبة في أوروبا خلال شهر أغسطس بنسبة نمو بلغت 127.9 % مقارنة بالعام الماضي، بينما باعت “شيري” 23,000 سيارة بنسبة قفزة بلغت 217.5 %، وحققت “سايك موتور” مبيعات بلغت 21,000 سيارة بنمو 32.4 %، فيما سجلت “ليبموتور” 8,000 سيارة بنسبة ارتفاع بلغت 219.5 %. أمام هذا الاستنزاف المتسارع للحصص السوقية، اضطرت المجموعات الأوروبية للعودة بقوة إلى أرض المعرض لتأكيد حضورها والدفاع عن بقائها. فقد سجلت مجموعة “ستيلانتس” الحضور الأكبر على أرض المعرض بثماني علامات تجارية وأكثر من ستين سيارة جديدة، وهو أكثر من ضعف عرضها لعام 2024، وكان من بينها تسع سيارات اختبارية مستقبلية. وقد تميز المعرض بعودة علامة “فيات” الإيطالية بعد غياب استمر ثماني سنوات كاملة، حيث قدمت طرازي “غريزلي” و”غريزلي فاستباك” لتسجيل حضورها مجددًا في الفئة المدمجة C، فضلًا عن النموذج الاختباري “ملتيبلاي” الذي يتبادل أدوار الشاحنة الصغيرة والسيارة الرياضية متعددة الاستخدامات في استعادة جريئة لشخصية طرازها الكلاسيكي المربع الشهير “ملتيبلاي”. وفي المقابل، عادت شركة “أوبل” الألمانية إلى المعرض بعد غياب دام عشر سنوات عبر نموذجها الاختباري “STX Concept” أو ما يُعرف بـ “Sports Tourer eXperimental”، وهو طراز ستيشن واجن كهربائي بالكامل يعكس لغة التصميم المستقبلية للشركة بهيكل منخفض وعجلات ضخمة مقاس 23 بوصة مع شارة أوبل المضيئة ونظام دفع رباعي يتجاوز سرعة 200 كم/س، إلى جانب إطلاق سيارة “أسترا” الجديدة وطرازين كهربائيين عاليي الأداء هما “موكا GSE” و”كورسا GSE” التي تُعد أقوى سيارة إنتاجية في تاريخ هذا الطراز بقدرتها على الوصول إلى سرعة 100 كم/س في غضون 5.5 ثانية فقط. ولم تبتعد “مرسيدس-بنز” عن المشهد، إذ عادت هي الأخرى بعد غياب منذ عام 2018 بستة عروض عالمية أولى تشمل طراز “GLA” والسيارة الفان الكهربائية الفاخرة “VLE” التي تسع ثمانية ركاب وتوفر مدى سير يتجاوز 700 كيلومتر. أما “هيونداي” فقد استغلت عودتها بعد ثماني سنوات لتقديم سيارتين صُممتا خصيصًا للمستهلك الأوروبي هما “بايون” و”ايونيك 3”، في حين سجلت “فولفو” حضورها بعد غياب طال 12 عامًا بطرازها الكهربائي الجديد “EX60” الموجه لتحقيق مدى سير يتجاوز 700 كيلومتر. وفي ظلال هذا التحشد التنافسي، تشير المعطيات إلى أن المصنعين الصينيين - في ظل إغلاق السوق الأميركي أمامهم بقرارات الإدارة الأميركية - اتخذوا من أوروبا محطتهم الاستراتيجية التالية، متحولين من التصدير المباشر إلى بناء قواعد إنتاجية محلية لتجاوز القيود والتشريعات الأوروبية مثل “قانون التسريع الصناعي”. ففي مايو الماضي، أعلنت “بي واي دي” عن خطط للاستحواذ على مصانع أوروبية غير مستغلة تعود لشركات كبرى مثل “ستيلانتس”. وفي يوليو، أسست مجموعة “جيلي” بالتعاون مع “فورد” مشروعًا مشتركًا لتصنيع السيارات في مصنع فورد بمدينة ألموسافيس الإسبانية بحصة 66 % لفورد و34 % لجيلي، على أن تبدأ العمليات التشغيلية في النصف الأول من عام 2027 والإنتاج التجاري في 2028. كما تدور مفاوضات متقدمة بين شركة “إكس بينغ” والمجموعات الأوروبية للسيطرة على مصنع تابع لشركة “فولكس فاجن”. وتظهر بيانات معهد كوريا لتكنولوجيا السيارات أنه منذ أكتوبر 2025، أعلنت أكثر من 15 شركة صينية للسيارات والمكونات عن مشاريع خارجية باستثمارات إجمالية بلغت 70 مليار يوان (نحو 10 مليارات دولار) حتى فبراير الماضي. ولم يقتصر التواجد الصيني على استعراض المبيعات، بل تجاوز ذلك إلى استعراض القوة التكنولوجية والتصميمية الفاخرة. فقد قدمت شركة “بي واي دي” العرض العالمي الأول لسيارة “اتس 8” الكهربائية ذات المقاعد السبعة والمزودة ببطارية سعتها 115 كيلوواط-ساعة تتيح مدى قيادة يصل إلى 653 كيلومترًا، إلى جانب إطلاق الشاحنة الهجينة “شارك”. كما سجلت علامة “دينزا” الفاخرة حضورها الأول بأسطول يضم طرازات “Z9GT” و”D9” و”باو 5”، إلى جانب السيارة الرياضية الخارقة “دينزا Z” المزودة بثلاثة محركات كهربائية تنتج قوة هائلة تبلغ 1582 حصانًا وتتسارع من 0 إلى 100 كم/س في ثانيتين فقط بنسختها المخصصة للحلبات مع بطارية 76 كيلوواط-ساعة تشحن من 10 % إلى 97 % خلال 9 دقائق فقط. ومن جهتها، كشفت “لي أوتو” عن ظهورها الأوروبي الأول بطراز “لي 6” المخصص للبدء في تسليمه بهولندا والنرويج في الربع الأول من عام 2027، بينما أعلنت “سيريس” عن دخول علامة “أيتو” إلى السوق الأوروبية في خريف 2027 عبر أربعة طرازات من السيارات الرياضية الذكية تضم “AITO 6 و7 و8 و9”. إلى جانب هذه الطرازات الحديثة، شهد المعرض استعراضًا لعدة نماذج اختبارية استعادت أمجاد الماضي بروح مستقبلية؛ حيث قدمت “رينو” نموذج “E-Space Concept” استحضارًا لسيارتها العائلية الشهيرة عام 1984 بعجلات ضخمة مقاس 23 بوصة وشاشة منحنية عريضة دون تحويلها إلى سيارة SUV. كما خطفت “ألبين” الأنظار بطراز “A310 Vision” المنخفض جدًا بارتفاع 46.5 بوصة تكريمًا لذكرى إطلاقها الـ55 عام 1971. وقدمت “ستروين” طراز “2CV Concept” الكهربائي اللطيف الذي يمتد بطول 148 بوصة والمخطط طرحه إنتاجيًا عام 2028 بسعر يبدأ من 15,000 يورو. بينما كشفت “الفاروميو” عن نموذجها الرياضي الساحر “Cuorerosso Concept” أو “القلب الأحمر” بغطاء محرك طويل ومصابيح وشبك أمامي مثلث يعبر عن لغة تصميم الشركة المستقبلية. إن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان صدمة البدايات قبل عقدين من الزمان، حين سجلت السيارات الصينية أول حضور رسمي لها في معرض باريس عام 2006 بمشاركات بسيطة ومتواضعة لشركات مثل “جريت وول” و”لاند ويند” التي جاءت لتستكشف السوق وتتعلم المعايير الأوروبية وسط هيمنة مطلقة للعمالقة الألمان والفرنسيين. واليوم، تقف الشركات الأوروبية أمام مرآة الواقع؛ فقطب صناعة السيارات الألماني العريق يعيش تحت ضغوط معقدة بعد أن تراجعت مبيعات مجموعة “فولكس فاجن” في السوق الصينية خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام بنسبة 30.2 % (مع اتساع التراجع إلى 38.5 % في الربع الثالث)، بينما تكبدت “مرسيدس-بنز” و”بورشه” تراجعات في مبيعاتهما بالصين بلغت 29 % و33 % على التوالي. هذا الانقلاب الشامل دفعت أثاره بشركات ألمانية كبرى مثل “بي إم دبليو” و”ميني” و”بورشه” للغياب عن المعرض لتعديل أولوياتها المالية، بينما دعا الرئيس التنفيذي لمجموعة فولكس فاجن، أوليفير بلوم، إلى تحالف فرنسي ألماني عاجل للوقوف بوجه المارد الصيني قبل فوات الأوان. وفي غضون ذلك، تتواصل الشراكات العابرة للقارات مثل تصنيع سيارات “ليبموتور B10” الكهربائية داخل مصنع “ستيلانتس” في سرقسطة بإسبانيا - وهو المصنع التاريخي لسيارات أوبل كورسا - مما يوضح أن التنافس القادم لم يعد تصديرًا من الطرفين، بل هو صراع واندماج وتغيير شامل لموازين القوى في قلب القارة الأوروبية. -المصادر: edmunds koreajoongangdaily news.cn
هذا الخبر منقول من مصدره الإخباري. يمكنك متابعة التفاصيل الكاملة من المصدر الأصلي.
مدى العالم
المزيد من الأخبار

رونالدو يتحدى «أزمة البرتغال» ويستعيد البسمة مع «النصر»

الهلال يكسب الرهان وينتزع الصدارة من القادسية بثلاثية

وريثة العرش الإسباني تسلم ميسي أرفع جائزة رياضية في البلاد

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

إيطاليا.. سلسلة زلازل تهز صقلية أقواها 5,5 درجات

برعاية سفارة ليبيا في فرنسا : مدير معهد العالم العربي بباريس يلتقي عدد من المسؤولين في طرابلس للتعرف عن الارث الحضاري والثقافي في ليبيا
مدرب الاتحاد: استحققنا الفوز على الدرعية
