تخطى إلى المحتوى الرئيسي
عاجل الآن
البلاد

ثلاث ساعات.. أيها تدق أولًا: الحرب.. النووي.. السلام؟

قبل أن تقرأ هذا التحقيق، انظر إلى ساعتك، راقب عقاربها جيدًا، أنصت إلى الثواني وهي تمضي، واحدة تلو الأخرى، لا تستعجل قراءة هذا التحليل؛ انظر إلى ساعتك، فما تراه أمامك ليس مجرد آلة تقيس الوقت، بل مفتاح لفهم ما قد يحدث للشرق الأوسط خلال الساعات المقبلة. تلك العقارب الصغيرة التي لا تكترث بها قد تحمل في دورانها السم الذي يسقى للمنطقة، وربما تحدد اللحظة التي تستيقظ فيها ملايين الأرواح على عالم لم تعرفه من قبل. نعم، الأمر كله يتعلق بالتوقيت. فثمة من يخشى أن تنتهي ساعته السياسية، ومن يخشى أن ينفد صبره الاقتصادي، ومن يخشى أن يسبقه خصمه إلى المجهول النووي، ثلاث ساعات لا تتفق على موعد، لكنها قد تتفق على إشعال حرب واحدة. من يخشى انتهاء الوقت؟ في السابع والعشرين من أكتوبر، تتجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، وبعدها بأسبوع، في الثالث من نوفمبر، يخوض الجمهوريون اختبار الانتخابات النصفية الأمريكية، بين الموعدين، تتحرك حسابات الحرب. بنيامين نتنياهو يريد أن يدخل الانتخابات بصورة القائد الذي حسم المواجهة مع إيران، لا الرجل الذي خاض حربًا طويلة وترك خصمه قادرًا على تهديد إسرائيل، وأي عملية عسكرية جديدة قد تمنحه فرصة لاستعادة المبادرة الأمنية، لكنها تحمل أيضًا احتمال التورط في مواجهة تبتلع ما تبقى من رصيده السياسي. أما دونالد ترامب، فيواجه معادلة مختلفة؛ فارتفاع أسعار النفط والوقود يضع الحرب في جيب الناخب الأمريكي، ويمكن لضربة ناجحة أن تمنحه انتصارًا سياسيًا، لكن الحرب الممتدة قد تحول هذا الانتصار إلى عبء انتخابي على الجمهوريين. وتحدثت تقارير صحفية عن تباين في توقيت العملية العسكرية المحتملة؛ إذ دفع نتنياهو باتجاه التحرك قبل الانتخابات الإسرائيلية، بينما فضل ترامب تجنب تصعيد واسع قبل انتخابات الكونغرس. وهنا تظهر أولى مفارقات هذا التحليل: قد يتفق الحليفان على الهدف العسكري، لكنهما يختلفان على اللحظة التي ينبغي إطلاق النار فيها. وفي المقابل، تراقب طهران التقويم الأمريكي، وتفيد تقارير نقلت عن مسؤولين إيرانيين بأن إطالة المفاوضات ورفع كلفة المواجهة يدخلان ضمن حسابات الضغط على الإدارة الأمريكية قبل الانتخابات. لم تعد صناديق الاقتراع بعيدة عن ساحات القتال؛ فقد أصبح الزمن الانتخابي نفسه ورقة ضغط، يحاول كل طرف استخدامها قبل أن يستخدمها خصمه. ساعة الحرب.. الجيوش لا تنام في السماء، تدريبات جوية بعيدة المدى، وفي البحر، تحركات أمريكية وحضور عسكري كثيف، وعلى الأرض، استعدادات إسرائيلية وتحذيرات إيرانية من رد أشد على أي هجوم جديد. لا تثبت هذه المشاهد أن قرار الحرب اتخذ، لكنها تؤكد أن احتماله حاضر في التخطيط العسكري، وقد اكتسبت التحركات أهمية إضافية مع زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى إسرائيل في التاسع عشر من أكتوبر، وسط مناقشات بشأن احتمال استئناف عمليات واسعة ضد إيران. وفي الأيام التالية، تحدثت تقارير عن استعدادات لاستهداف منشآت عسكرية ونووية إيرانية، فيما أطلق الحرس الثوري تحذيرات من أن أي ضربة جديدة لن تمر دون رد، لكن الخطر لا يكمن في الحشود وحدها، بل في الطريقة التي يقرأ بها كل طرف حشود الآخر. واشنطن قد ترى في تعزيز قواتها وسيلة لردع إيران ودفعها إلى التفاوض. وإسرائيل قد تعتبر الاستعدادات فرصة لمنع خصمها من استعادة قدراته، أما طهران فقد ترى المشهد تمهيدًا لهجوم يستوجب الاستعداد لضربة مضادة، هكذا يمكن أن تتحول الإجراءات المصممة لمنع الحرب إلى أسباب تدفع نحو اندلاعها. والأشد خطورة أن ساعة الحرب لا تنتظر دائمًا قرارًا سياسيًا مكتملًا؛ فقد تسبقها حادثة ميدانية تفرض على الجميع قرارات لم يكونوا ينوون اتخاذها. ساعة الوساطات.. رسائل قبل الصواريخ بينما تتحرك القطع العسكرية، تتحرك طائرات أخرى تحمل وزراء ومسؤولين ورسائل. شهد أكتوبر نشاطًا دبلوماسيًا روسيًا وقطريًا وباكستانيًا باتجاه طهران، وانتقل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى العاصمة الإيرانية، بينما واصلت قطر اتصالاتها بين واشنطن وطهران، وبرز الحضور الباكستاني في مساعي احتواء المواجهة. الحراك التقارب هل حمل الوسطاء عروضًا جديدة تمنع الانفجار، أم تحذيرات من أن الخيارات العسكرية اقتربت من لحظة التنفيذ؟ لا توجد أدلة منشورة تثبت أن هؤلاء نقلوا إنذارًا بضربة وشيكة لكن توقيت التحركات، بالتزامن مع الاستعدادات العسكرية، يكشف مقدار القلق من أن يسبق القرار العسكري الحل الدبلوماسي، والعقبة ليست في غياب الرسائل، بل في تضارب الشروط. تريد طهران رفع الحصار وتخفيف القيود على صادرات النفط وإعادة فتح المسارات الاقتصادية، بينما تتمسك واشنطن بضرورة معالجة الملف النووي ضمن التسوية، وكل طرف يريد أن يحصل على ضمانات قبل أن يقدم التنازل الذي ينتظره الطرف الآخر. إنها معادلة مغلقة: واشنطن تريد تنازلًا يسبق تخفيف الضغط، وطهران تريد تخفيف الضغط قبل تقديم التنازل. والوسطاء يستطيعون حمل الرسائل بسرعة الطائرات، لكنهم لا يملكون ضمان وصول التسوية قبل الصواريخ، وهنا يتضح أن ساعة الحرب أكثر سرعة من نظيراتها في المنطقة. البرميل ناخبًا أمريكيًا في الخليج، لم تعد ناقلات النفط مجرد سفن تجارية؛ فقد تحولت إلى أهداف عسكرية عائمة تحمل فوق ظهورها جانبًا من استقرار الاقتصاد العالمي. الهجمات على الملاحة والتهديدات التي تطال منشآت الطاقة ومسارات تصديرها لا تضرب السفن وحدها، بل تضرب الثقة في قدرة المنطقة على إبقاء النفط متدفقًا. ومع ارتفاع أسعار الخام إلى مستويات تتجاوز مئة وعشرة دولار للبرميل، لم تعد الأزمة محصورة في مضيق هرمز، فكل دولار إضافي في أسعار الطاقة يترك أثره في النقل والصناعة والتضخم، وقد يصل في النهاية إلى جيب الناخب الأمريكي، وهنا تظهر إحدى أكثر أوراق الضغط الإيرانية تعقيدًا. فطهران، التي تعجز عن تصدير نفطها بحرية تحت الحصار، تستطيع عبر استمرار اضطراب الملاحة أن تسهم في رفع كلفة الطاقة على خصومها. ويصبح النفط سلاحًا سياسيًا لا يحتاج إلى الوصول إلى الأراضي الأمريكية كي يؤثر في حسابات واشنطن. أما النتيجة الاقتصادية، فهي أكثر وضوحًا: كلما ازدادت المخاوف على الإمدادات، ارتفعت كلفة الحرب على المستهلكين والأسواق، إيران تحاول أن تنقل جزءًا من ثمن الحصار من خزائنها إلى جيوب خصومها. لكنها تراهن على سلاح ذي حدين؛ فالضغط الذي يدفع واشنطن إلى البحث عن تسوية قد يدفعها أيضًا إلى التفكير في ضربة تعتقد أنها ستنهي مصدر الاضطراب. الانتظار أخطر في طهران، لا تقاس خسائر الحرب بعدد الصواريخ التي سقطت وحدها، بل بمليارات الدولارات التي لم تعد تدخل خزينة الدولة. في منتصف أكتوبر، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن الحصار البحري حرم إيران من تصدير نفط خام بقيمة لا تقل عن 25 مليار دولار، وهو تقدير أمريكي لقيمة الصادرات الممنوعة، وليس حسابًا مستقلًا للخسارة الاقتصادية الصافية. وتكشف بيانات الشحن أن المخزون النفطي الإيراني العائم خارج نطاق الحصار، الذي بلغ نحو 135 مليون برميل عند اندلاع الحرب، استنزف تدريجيًا حتى نفد بحلول منتصف أكتوبر. وفي الداخل، بلغ التضخم السنوي 73.6%، وتراجع الريال بصورة حادة أمام الدولار، بينما هبط إنتاج النفط إلى نحو مليوني برميل يوميًا، بعد أن تجاوز ثلاثة ملايين قبل الحرب. أما بحر قزوين، النافذة البحرية الشمالية، فلا تستطيع موانئه وسفنه تعويض الطاقة التصديرية للموانئ الجنوبية، وحتى تلك النافذة وصلت إليها أخطار المواجهة، بعدما تعرضت سفن لهجمات خلال يوليو. والمفارقة أن إيران تشاهد أسعار النفط العالمية ترتفع، لكنها لا تستطيع تحويل ذلك الارتفاع إلى عائدات تنقذ اقتصادها من الاختناق. ومع ذلك، لا يعني انهيار العملة وارتفاع التضخم تلقائيًا اندلاع اضطرابات شعبية واسعة؛ فالأزمات الاقتصادية لا تتحول بالضرورة إلى انهيارات سياسية. لكن السؤال الأكثر خطورة يتجاوز الشارع إلى غرف القرار: ماذا لو أصبح استمرار الحصار، في حسابات القيادة الإيرانية، أشد خطرًا من المغامرة بالتصعيد، والحرب؟ ليس معنى ذلك أن الحرب الشاملة أقل كلفة اقتصاديًا؛ فقد تكون أكثر تدميرًا، وإنما يعني أن طهران قد ترى أمامها خسارة يومية مؤكدة، مقابل مغامرة عسكرية تراهن على أن تنتزع بعدها شروط تفاوض أفضل، وهكذا قد ينقلب الضغط الاقتصادي على الغاية التي صُمم لتحقيقها، إيران لا تستطيع إيقاف عقارب الحصار، فتحاول تسريع عقارب الحرب. ساعة النووي في الوقت الذي تحصي فيه الجيوش طائراتها وصواريخها، تقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمام سؤال لا تملك إجابته الكاملة: أين أصبح اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب؟ آخر جرد موثق قبل ضربات يونيو 2025 قدّر امتلاك إيران 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة تقترب تقنيًا من مستوى التخصيب المستخدم في الأسلحة النووية، البالغ نحو 90%. ولو خضعت تلك الكمية لمزيد من التخصيب، فقد توفر نظريًا مادة انشطارية تكفي لعدد من الأسلحة النووية، لكن امتلاك المادة لا يعني امتلاك قنبلة جاهزة؛ فتصنيع سلاح قابل للاستخدام يتطلب مراحل تقنية إضافية. وبعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية، تراجعت قدرة المفتشين على التحقق من مصير المواد والمنشآت المتضررة، وتشير تقديرات إلى احتمال بقاء أكثر من 200 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% في أنفاق أصفهان، دون تحقق ميداني يؤكد حالتها الراهنة. وفي سبتمبر، أحال مجلس محافظي الوكالة ملف إيران إلى مجلس الأمن، مع استمرار الخلاف بشأن التفتيش والامتثال. ولا توجد أدلة موثوقة تثبت أن إيران صنعت قنبلة نووية، كما أن الغموض المحيط بالمخزون والمنشآت وأجهزة الطرد المركزي يجعل تقدير زمن إنتاج سلاح جاهز أمرًا غير محسوم. وهنا تكمن مفارقة الحرب: الضربات التي استهدفت إزالة الخطر النووي جعلت التحقق من حجمه أكثر صعوبة. وقد يدفع هذا المجهول واشنطن وتل أبيب إلى التعجيل بضربة جديدة خشية استعادة البرنامج قدراته، أو إلى مزيد من الحذر أمام خصم لا تعرفان بدقة ما تبقى لديه. وهكذا لم تعد ساعة النووي تعد الأيام المتبقية لقنبلة مؤكدة، بل الأيام التي يمر فيها العالم عاجزًا عن التحقق من حقيقة أن إيران تمتلك أسلحة نووية فعليًا الآن، وأن زمن فتوى حرمة الحصول على السلاح النووي قد دفنت مع صاحبها. حين تضيق الساعات.. تتسع المقابر أمام الشرق الأوسط ثلاثة مسارات، استنزاف يستمر تحت سقف الحرب الشاملة، تتخلله ضربات وتهديدات وحصار ومفاوضات متعثرة، أو تسوية في اللحظة الأخيرة تعيد الملاحة وتفتح الطريق أمام تفاهم نووي قابل للتحقق، أو انفجار إقليمي أوسع، قد يبدأ بقرار مدروس، وقد يبدأ بحادثة لا يتوقع أحد حجم ما ستطلقه. والمسار الأول هو الأقرب إلى وصف المشهد الراهن أي أن ساعة الحرب هي الأكثر سرعة من نظيراتها وعقاربها بدأت تشحذ الهمة نحو قرع جرس البدء في حربًا شاملة لا تبقي ولا تذر، لكنه ليس ضمانًا لاستمراره. فقد تغرق ناقلة أخرى، أو تسقط ضربة على قاعدة أمريكية فتخلف قتلى بأعداد كبيرة، أو تتحول معلومة استخباراتية ناقصة إلى قرار عسكري لا رجعة فيه. لكن الاستنتاج الأهم لحد الآن أنه، ليس أن الحرب حتمية، والقدير يشير إلى أن الأطراف الثلاثة تخشى الانتظار لأسباب مختلفة: ترامب يراقب موعد الانتخابات، ونتنياهو يخشى انتهاء نافذته السياسية، وإيران ترى الحصار يلتهم مواردها، بينما يقف الملف النووي خلف جدار من المجهول، وكل طرف يراهن على أن زيادة الضغط ستجعل خصمه يتراجع أولًا. وهنا تتلاقى أخطر مفارقات المواجهة: الحصار الذي يراد له أن يوقف التصعيد قد يغذيه، والحشود العسكرية التي يراد لها ردع الحرب قد تشعلها، والضربات التي استهدفت البرنامج النووي تركت وراءها غموضًا قد يصبح سببًا لضربات جديدة. والحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا لأن القادة قرروا خوضها؛ بعضها يبدأ لأن كل قائد اعتقد أن خصمه سيتراجع أولًا. والآن، قبل أن تغلق هذا التحليل، انظر إلى ساعتك مرة أخرى، لقد مضت دقائق منذ بدأت القراءة، ربما تحركت خلالها طائرة عسكرية، أو عبرت رسالة دبلوماسية، أو اتخذ قرار في غرفة مغلقة. أنت تعرف كم مضى من وقتك، لكن هل تعرف لمن تعمل عقارب ساعتك؟

ثلاث ساعات.. أيها تدق أولًا:  الحرب.. النووي.. السلام؟

هذا الخبر منقول من مصدره الإخباري. يمكنك متابعة التفاصيل الكاملة من المصدر الأصلي.

مدى العالم

المزيد من الأخبار

عرض أحدث الأخبار