شهيد الوطن.. ووجع بيتٍ لن يغيب عنه جواد
ليس كل رحيل يشبه الآخر، فهناك رحيل يترك خلفه فراغاً لا تملؤه الأيام، ووجعاً لا تستطيع الكلمات أن تصفه. هكذا رحل الشهيد العريف جواد علي خلف السلايطة، شاباً أردنياً خرج إلى عمله مرتدياً بزته العسكرية، مؤمناً برسالته وواجبه، واحداً من العيون الساهرة التي اختارت أن تكون في خدمة الوطن وحماية أهله، لكنه لم يعد إلى بيته كما كان ينتظر أحباؤه، فقد امتدت إليه يد الإرهاب غدراً، لتسرق عمره وأحلامه، وتترك خلفها عائلة تنتظر عودته ولا تعرف كيف تستقبل خبر غيابه. كان في البيت أمٌّ لها حكاية مختلفة مع كل إجازة. كانت تنتظر اليوم الذي تسمع فيه خبر إجازته، لتستعد لاستقبال ابنها القادم من مكان خدمته، من ذلك البيت البعيد الذي يشتاق إليه كما يشتاق هو إليها. كانت فرحتها تبدأ قبل وصوله، وربما كانت تحسب الأيام والساعات، وتفكر بما ستعدّه له، وكيف ستراه يدخل البيت من جديد. لكن هذه المرة لن تنتظر إجازته، ولن تسمع صوته عند الباب، ولن تفرح بعودته كما اعتادت. لقد أصبحت تنتظر خبراً لا يشبه الأخبار، وتعيش وجعاً لا يعرفه إلا قلب أم فقدت ابنها. وكان هناك أبٌ يعتز بابنه، يرى فيه ثمرة تربيته وتعب السنين، ويفتخر بأنه جندي من جنود الوطن، يحمل مسؤولية وشرف الخدمة العسكرية. أي كلمات يمكن أن تواسي أباً فقد ابنه؟ وكيف يمكن أن يُختصر الفخر الممزوج بالحزن في لحظة واحدة؟ أما إخوته، فكانوا ينتظرون ساعة السهر، تلك التعليلة التي تجمعهم بجواد، حيث الأحاديث والضحكات والحكايات التي لا تنتهي، وتفاصيل الحياة البسيطة التي لا يدرك الإنسان قيمتها إلا عندما يفقدها. كانوا ينتظرون جلسته بينهم، وصوته، ومزاحه، وحضوره الذي يمنح السهرة معناها. لم يكونوا يعلمون أن تلك التعليلة التي اعتادوا انتظارها ستصبح ذكرى يستعيدونها في غيابه، وأن المكان الذي كان يجلس فيه سيبقى شاهداً على أخٍ لن يعود. جواد لم يكن مجرد اسم في بيان نعي، ولم يكن رقماً في قائمة الشهداء؛ كان ابناً لأم، وفخراً لأب، وسنداً لإخوة، وشاباً له أحلامه وطموحاته وحياته التي لم تكتمل. إن الإرهاب لا يقتل إنساناً واحداً فحسب، بل يترك خلفه عائلة كاملة تعيش تفاصيل الفقد كل يوم. يقتل فرحة الأم بعودة ابنها، ويكسر قلب الأب الذي كان يعتز به، ويحرم الإخوة من رفيق السهر والتعليلة. لقد أدى جواد واجبه، ووقف في موقعه جندياً من جنود الأردن، ومضى شهيداً وهو يحمل شرف الانتماء والخدمة. وفي الوقت الذي ننحني فيه إجلالاً لتضحيات رجال الأمن العام، فإننا نتذكر أن خلف كل زي عسكري أسرة تنتظر، وخلف كل جندي أماً تدعو، وأباً يفتخر، وإخوةً يحلمون بعودته سالماً. اقرأ أيضاً: "الأمن العام" ينعى الشهيد السلايطة: "بوريتك ستظل شامخة على جباه النشامى" رحم الله الشهيد جواد السلايطة، وجعل تضحياته في ميزان حسناته، وألهم والدته ووالده وإخوته وأهله الصبر والسلوان. سلامٌ على روحك يا جواد، لقد انتهت إجازاتك من هذه الدنيا، لكن ذكراك ستبقى حاضرة في بيتك، في دعاء أمك، وفخر أبيك، وفي كل تعليلة سيسأل فيها إخوتك عنك. إنا لله وإنا إليه راجعون. وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

هذا الخبر منقول من مصدره الإخباري. يمكنك متابعة التفاصيل الكاملة من المصدر الأصلي.
مدى العالم
المزيد من الأخبار

Hoax bomb threats force emergency landings, evacuations across Europe

الجيش المصري: مقتل ضابطين بحملة لمكافحة التنقيب عن الذهب على الحدود الجنوبية

رجل واحد قد يحفظ نفوذ ترمب لعقود رغم خسارة الكونغرس

الأمم المتحدة: ضرورة تعزيز قوات حفظ السلام في أبيي بسبب تهديدات جديدة
في تشريحُ الخراب العراقي في مآلاتِ التيه والتبعية
الضحية والجلاد: حين يصبح البقاء امتحاناً للإنسان تاديوش بوروفـسكي وأوشفيتز والمنطقة الرمادية في السلوك الإنساني
