تخطى إلى المحتوى الرئيسي
عاجل الآن
البلاد

الأمن البحري والطاقة والتكنولوجيا في قلب التحديات الاستراتيجية

أكد المتحدثون في الجلسة والأخيرة من “حوار المنامة”، التي عقدت تحت عنوان “الدفاع والصمود والردع.. مسارات تطوير العقيدة الدفاعية”، على أهمية تطوير العقائد الدفاعية بما يواكب التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية العالمية، وتعزيز قدرات الدول على مواجهة التهديدات التقليدية والهجينة، مشددين على أن الدفاع والقدرة على الصمود والردع تمثل ركائز أساسية لحماية الأمن والاستقرار. وأكد المشاركون أن مواجهة التهديدات الحديثة لم تعد تقتصر على تعزيز القدرات العسكرية، بل تتطلب أيضًا توسيع مجالات التعاون الدولي، وتطوير الإمكانات التكنولوجية، وإشراك مختلف مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع في بناء منظومة أمنية متكاملة، قادرة على التعامل مع الأزمات وضمان استمرارية الخدمات الحيوية. الدفاع والمرونة والردع أكد وزير الدولة بوزارة الدفاع الألمانية د.نيلس شميد، أن البيئة الأمنية العالمية تشهد تحولات غير مسبوقة وضغوطًا متزايدة، في ظل تداخل التهديدات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام باتت أكثر ضبابية، من أوكرانيا إلى البحر الأحمر، ومن الفضاء السيبراني إلى الفضاء الخارجي. وأوضح أن الأمن الأوروبي وأمن منطقة الشرق الأوسط ظلا سنوات طويلة يُنظر إليهما باعتبارهما مجالين منفصلين، إلا أن هذا التصور لم يعد يعكس واقع التطورات الراهنة، في ظل تنامي التأثير المتبادل بين المنطقتين. وأشار إلى أن التطورات التي تشهدها منطقة الخليج تنعكس على الأمن الأوروبي، مستشهدًا بتزايد التعاون العسكري بين روسيا وإيران، ومؤكدًا أن المنطقتين أصبحتا أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، بفعل شبكات الطاقة وطرق التجارة والترابط التكنولوجي والفضاء المعلوماتي، فضلًا عن المخاطر الأمنية المشتركة. ولفت إلى أن اضطراب الأمن البحري في البحر الأحمر يؤثر مباشرة في سلاسل الإمداد العالمية، مؤكدًا أن الأمن في العالم المعاصر أصبح غير قابل للتجزئة، الأمر الذي يستدعي تجاوز الحدود الجغرافية التقليدية عند وضع التصورات والخطط الاستراتيجية. وفي معرض حديثه عن الركيزة الأولى، المتمثلة في الدفاع، أوضح شميد أن المفهوم التقليدي للدفاع ارتكز على القدرات العسكرية والهياكل التنظيمية والجهوزية العملياتية والمعدات والتخطيط، مؤكدًا أن هذه العناصر لا تزال ضرورية لضمان أمن الدول وتعزيز قدرتها على مواجهة التهديدات. وأشار إلى أن النهج الدفاعي الألماني ينطلق من قناعة مفادها أن مصداقية الردع ليست أمرًا مضمونًا أو تلقائيًا، بل تستلزم امتلاك قدرات عسكرية مناسبة، واستثمارات مستمرة، ومستويات عالية من الجهوزية العملياتية. وأكد أن الدفاع بمفهومه الحديث لم يعد يقتصر على امتلاك منظومات تسليح متطورة، وإنما يتطلب القدرة على دمج الأدوات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والمعلوماتية ضمن منظومة متكاملة وفاعلة لمواجهة التحديات الأمنية. وأوضح أن النزاعات الأخيرة أظهرت الدور المتنامي للطائرات المسيّرة والعمليات السيبرانية والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل والقدرات الفضائية، في إحداث تغييرات جوهرية في طبيعة الحروب وأساليب القتال. وشدد على ضرورة أن تتسم العقائد الدفاعية بالمرونة والقدرة على التكيف مع التطورات المتسارعة، بحيث لا تقتصر الاستعدادات على مواجهة الهجمات العسكرية التقليدية، بل تمتد لتشمل الحملات والتهديدات الهجينة التي تُنفذ دون بلوغ مستوى الحرب المفتوحة. صمود المجتمعات ركيزة للأمن وفي ما يتعلق بالركيزة الثانية، المتمثلة في المرونة والقدرة على الصمود، أكد شميد أنها أصبحت من أبرز المفاهيم الاستراتيجية في العصر الحديث، موضحًا أن القوات المسلحة قادرة على ردع العدوان، لكن المجتمعات المتماسكة والقادرة على الصمود هي التي تستطيع تحمل الضغوط المستمرة والتعامل مع تداعيات الأزمات. وأشار إلى أن الخصوم في النزاعات الحديثة لم يعودوا يستهدفون الجيوش وحدها، بل باتوا يسعون بصورة متزايدة إلى إثارة الانقسامات داخل المجتمعات، وتقويض الثقة بالمؤسسات، واستهداف البنية التحتية الحيوية، ونشر المعلومات المضللة، واستغلال أوجه التبعية الاقتصادية. وبيّن أن جوهر المواجهة أصبح يتمحور بصورة متزايدة حول قدرة الدول على المحافظة على استقرارها، ومواصلة أداء وظائفها، واتخاذ قراراتها بصورة مستقلة حتى في ظل أشد الضغوط. وأكد أن الدولة القادرة على الصمود هي التي تستطيع حماية إمدادات الطاقة، وتأمين شبكاتها الرقمية، وتعزيز قدراتها في مواجهة التهديدات التي تستهدف استقرارها وأمنها الوطني. أمن الخليج وأوروبا مترابط من جانبه، أكد رئيس أركان الدفاع في القوات المسلحة الهولندية الجنرال أونو آيشلسهايم، أن أمن منطقة الخليج العربي وأوروبا يرتبط ارتباطًا وثيقًا، مشددًا على أن الصراعات وإن كانت إقليمية في طبيعتها، فإن تداعياتها تتجاوز حدود المنطقة لتطال مختلف أنحاء العالم، وتؤثر في حركة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة والاقتصادات الدولية. وأشار إلى أن التطورات الأمنية الأخيرة عززت أهمية العمل المشترك من أجل ترسيخ الاستقرار وتوسيع التعاون الدولي، معربًا عن تقديره لمملكة البحرين والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية على تنظيم “حوار المنامة”، الذي يشكل منصة مهمة لمناقشة التحديات الأمنية المشتركة. وأوضح أن هولندا تولي اهتمامًا كبيرًا بأمن منطقة الخليج العربي؛ انطلاقًا من إدراكها أن التهديدات الأمنية لم تعد محصورة في نطاق جغرافي معين، وأن تداعيات النزاعات يمكن أن تمتد إلى مناطق بعيدة خلال فترة وجيزة. واستعرض آيشلسهايم تجربة عملية تعكس أهمية الجهوزية العسكرية والقدرة على التكيف مع المتغيرات الأمنية، موضحًا أن إحدى السفن الحربية الهولندية كانت في مهمة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في وقت سابق من العام الجاري، عندما تلقت أوامر مفاجئة بتغيير مسارها. وفي سياق متصل، لفت إلى أن الترابط العالمي، الذي أسهم على مدى أجيال في تعزيز التجارة الدولية وتحقيق الازدهار الاقتصادي، أدى في الوقت ذاته إلى زيادة الترابط بين مواطن الضعف والمخاطر التي تواجه الدول. وأوضح أن ما استغرق بناؤه جيلين من الزمن قد يتعرض للتعطيل خلال دقائق، في إشارة إلى هشاشة بعض شبكات التجارة والإمداد والبنية التحتية أمام التهديدات الأمنية المتسارعة. وأكد أن مساهمة الدول في تعزيز الأمن والاستقرار لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تتخذ أشكالًا متعددة، تشمل الشراكات العسكرية، مثل التعاون الهولندي مع الأردن، إلى جانب الجهود الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية والدعم الاقتصادي. العقيدة العسكرية الفنلندية دفاعية من جانبها، أكدت وكيل وزارة الخارجية الفنلندية لشؤون السياسة الخارجية والأمنية أوتي هولوباينن، أن استراتيجية فنلندا في مجالات الدفاع والمرونة والردع تقوم على امتلاك قدرات دفاعية وطنية قوية، ضمن منظومة الردع والدفاع الجماعي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاستفادة من الأدوات والسياسات التي يوفرها الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تعزيز التعاون والشراكات الدولية. وأوضحت أن فنلندا، تتمتع بمساحة جغرافية كبيرة نسبيًا وفق المعايير الأوروبية، تقارب مساحة ألمانيا، مشيرة إلى أنها تقع في شمال أوروبا، وتُعد الدولة العضو الواقعة في أقصى شمال الاتحاد الأوروبي. وبيّنت أن فنلندا تُصنف ضمن دول المنطقة القطبية الشمالية، إذ يقع نحو ثلث أراضيها شمال الدائرة القطبية الشمالية، لافتة إلى أن موقعها الجغرافي ضمن منطقتي القطب الشمالي وبحر البلطيق يمنحها أهمية استراتيجية خصوصا من الناحية العسكرية. وشددت على أن العقيدة العسكرية الفنلندية ذات طبيعة دفاعية بحتة، وتهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق الردع ومنع وقوع الهجمات، من خلال جعل أي اعتداء محتمل على البلاد مكلفًا، وتقليص فرص تحقيق المهاجم نجاحًا سريعًا. وأوضحت أن فنلندا حافظت على نظام دفاعي يقوم على الخدمة العسكرية الإلزامية للرجال، مع إتاحة الخدمة العسكرية التطوعية للنساء، وهو ما أسهم في تكوين قوة احتياطية كبيرة ومدرّبة. وأكدت أن هذا النظام جعل الدفاع الوطني جزءًا راسخًا من المجتمع الفنلندي، وأسهم في تعزيز التماسك الوطني وترسيخ الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه أمن البلاد. وبيّنت هولوباينن أن أحد أبرز مرتكزات النموذج الفنلندي يتمثل في تبني مفهوم “الأمن الشامل”، القائم على إشراك مختلف مكونات المجتمع في بناء القدرة على الصمود والاستعداد للأزمات، وضمان استمرار عمل الدولة ومؤسساتها خلال الظروف الاستثنائية، فضلًا عن تعزيز القدرة على التعافي بعد انتهاء الأزمات. وأوضحت أن هذا المفهوم يستند إلى التعاون والتنسيق بين السلطات الحكومية وقطاع الأعمال والمنظمات غير الحكومية والمواطنين، بما يضمن حماية الوظائف الحيوية للمجتمع واستمرار تقديم الخدمات الأساسية. وأشارت إلى أن هذه الأطراف تتقاسم مسؤولية الاستعداد للأزمات والتعامل معها، والعمل على ضمان استمرارية الأنشطة والمؤسسات الحيوية حتى في أصعب الظروف. وأكدت أن تعزيز القدرة الوطنية على الصمود لا يقتصر على المؤسسات العسكرية والأمنية، بل يتطلب مشاركة المجتمع بأكمله في حماية الاستقرار الوطني وضمان استمرارية عمل الدولة. معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات من جهته، حذّر مستشار الأمن القومي العراقي قاسم العبودي، من أن امتلاك الدول للأسلحة المتطورة والتكنولوجيا الحديثة والقدرات الاستخباراتية، على الرغم من أهميته في تعزيز الدفاع والردع، لا يشكل ضمانة لمنع اندلاع الحروب والصراعات المسلحة، مشددًا على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات والتوصل إلى حلول عادلة للقضايا العالقة. وأشار إلى أن نظريات الردع العسكري، القائمة على امتلاك قدرات تسليحية متطورة وعالية التكلفة بهدف منع الاعتداءات، واجهت تحديات كبيرة على مستوى التطبيق، موضحًا أن تطور الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل منذ خمسينات القرن الماضي عزز الاعتقاد بإمكان الحد من اندلاع الحروب التقليدية. وبيّن أن التجارب اللاحقة أظهرت محدودية هذه النظريات في منع النزاعات بصورة كاملة، إذ استمر العالم في مواجهة الحروب والمواجهات المسلحة، بما في ذلك التوترات والصراعات بين دول تمتلك قدرات نووية. وأوضح العبودي أن الدول بحاجة إلى امتلاك الأسلحة الدفاعية والتكنولوجيا المتطورة، وتعزيز قدراتها في مجال الأمن السيبراني، بما يتماشى مع متطلبات الدفاع والصمود والردع في البيئة الأمنية الحديثة. لكنه شدد على أن أهمية هذه القدرات وضرورتها لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن عوامل أخرى لا تقل أهمية في منع الحروب، وفي مقدمتها معالجة النزاعات المستمرة التي لم تتوصل الأطراف المعنية إلى تسويات عادلة بشأنها. وأكد أن استمرار القضايا العالقة وغياب الحلول العادلة يمثلان من الأسباب الرئيسة لتجدد الحروب والصراعات، مشيرًا إلى أن عددًا من النزاعات التي شهدها العالم خلال الفترة الأخيرة يرتبط بمشكلات لم تُعالج جذورها بصورة حقيقية. ولفت إلى أن النقاشات الأمنية تركز في كثير من الأحيان على تطوير القدرات العسكرية وتعزيز وسائل الردع، دون إيلاء الاهتمام الكافي لمسألة التوصل إلى حلول عادلة للنزاعات القائمة. واختتم بالإشارة إلى أن التطورات المتسارعة في طبيعة التهديدات والقدرات العسكرية تجعل من الصعب تحديد سقف ثابت للإنفاق الدفاعي يمكن أن يضمن للدول تحقيق الأمن بصورة نهائية.

الأمن البحري والطاقة والتكنولوجيا في قلب التحديات الاستراتيجية

هذا الخبر منقول من مصدره الإخباري. يمكنك متابعة التفاصيل الكاملة من المصدر الأصلي.

مدى العالم

المزيد من الأخبار

عرض أحدث الأخبار