أبعاد | من الانفتاح المبكر إلى تحديات المرحلة الجديدة
الاستثمار الأجنبي ركيزة أساسية في السياسة الاقتصادية البحرينية منذ عقود استمرارية الأعمال وحماية الاستثمارات أصبحتا معيارا أساسيا لجذب المستثمرين تركيز الاستثمارات في القطاع المالي يستدعي تنويع القاعدة الاستثمارية نجاح الاستثمار يُقاس بالوظائف والصادرات ونقل التكنولوجيا لا بالتعهدات تنويع مصادر الاستثمار الأجنبي ضرورة لتعزيز مرونة الاقتصاد البحريني البحرين مطالبة بإعادة صياغة ميزتها التنافسية لاستقطاب استثمارات المستقبل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية فرص واعدة لمستقبل الاستثمار البحريني الاستقرار الأمني أصبح جزءا أساسيا من تنافسية الاستثمار المستثمر يبحث عن استقرار التشريعات واستمرارية العمليات قبل الحوافز المطلوب الانتقال من استقطاب رؤوس الأموال إلى تعظيم عوائدها الاقتصادية أدركت مملكة البحرين منذ وقت مبكر أن صغر مساحتها ومحدودية مواردها الطبيعية وضيق سوقها المحلية تفرض عليها تبني نموذج اقتصادي منفتح على العالم، يقوم على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، ليس فقط باعتبارها مصدرا لرؤوس الأموال، وإنما وسيلة لنقل التكنولوجيا والمعرفة، وخلق فرص العمل، وتنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز الارتباط بالأسواق الدولية. ومن هذا المنطلق، لم يكن الاهتمام بالاستثمار الأجنبي خيارا ظرفيا، بل أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الاقتصادية البحرينية على مدى عقود. وقد تجسد هذا التوجه في الانفتاح المبكر على المؤسسات المالية الدولية، وتطوير التشريعات التجارية والمصرفية، والسماح بالملكية الأجنبية الكاملة في عديد من الأنشطة، وتأسيس مجلس التنمية الاقتصادية، وتحديث البنية التحتية والمناطق الصناعية واللوجستية، وتطوير الخدمات الحكومية الرقمية. غير أن هذه التجربة تواجه اليوم اختبارا مختلفا، فالتوترات الأمنية والمواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال العام 2026، وما ارتبط بها من اضطرابات في الملاحة وسلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، أدخلت اعتبارات جديدة إلى قرارات المستثمرين الدوليين. ولم يعد السؤال مقتصرا على مدى جاذبية الضرائب والتشريعات وتكاليف التشغيل، بل أصبح يشمل قدرة الدولة المضيفة على ضمان استمرارية الأعمال وحماية المنشآت وتأمين الطاقة والاتصالات والمنافذ التجارية في أثناء الأزمات. وعليه، فإن التحدي الاستراتيجي أمام البحرين لا يتمثل فقط في المحافظة على الاستثمارات القائمة، وإنما إعادة صياغة ميزتها التنافسية بما يجمع بين الانفتاح الاقتصادي والكفاءة التشغيلية والمرونة الأمنية والقدرة على استقطاب استثمارات المستقبل. خريطة الاستثمارات الأجنبية ووفقا لأحدث البيانات الواردة في التقرير الاقتصادي الفصلي لمملكة البحرين للربع الأول من العام 2026، الصادر عن وزارة المالية والاقتصاد الوطني، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة نحو 17.6 مليار دينار بحريني بنهاية مارس 2026، محققا نموا سنويا بنسبة 2.6 %، مقارنة بنحو 17.2 مليار دينار في الربع الأول من العام 2025. كما تظهر البيانات ارتفاع الرصيد من 14.4 مليار دينار في الربع الأول من العام 2023 إلى 17.6 مليار دينار في الربع الأول من العام 2026، بما يعكس توسعا ملحوظا في قاعدة الاستثمارات الأجنبية خلال السنوات الثلاث الماضية. وعلى صعيد التوزيع القطاعي، تكشف البيانات عن استمرار التركّز الكبير للاستثمارات الأجنبية في الأنشطة المالية والتأمينية، التي تستحوذ على 65.2 % من إجمالي الرصيد، تليها الصناعات التحويلية بنسبة 13 %، ثم الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية بنسبة 6 %، وأنشطة إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء بنسبة 4.2 %، وتجارة الجملة والتجزئة بنسبة 3.6 %، والأنشطة العقارية بنسبة 3.5 %، والمعلومات والاتصالات بنسبة 2.8 %، فيما تستحوذ الأنشطة الاقتصادية الأخرى على 1.7 %. ولا يخفى أن حصة الأنشطة المالية ارتبط تاريخيا ببروز المركز المالي للبحرين منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، بينما تعكس حصص الأنشطة المهنية والتجارية طبيعة الأنشطة التي نجحت في استقطاب استثمارات مثل الصحة والتعليم والمجمعات التجارية، بينما ظلت حصص القطاعات المعرفية والتكنولوجية محدودة نوعا ما. أما من حيث المصادر الجغرافية للاستثمارات، فقد حافظت دولة الكويت على موقعها كأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى البحرين، برصيد بلغ نحو 6.2 مليار دينار، يمثل 35 % من الإجمالي، تلتها المملكة العربية السعودية بنحو 4.1 مليار دينار وبنسبة 23 %، ثم دولة الإمارات العربية المتحدة بنحو 1.7 مليار دينار وبنسبة 9.5 %. وبذلك تستحوذ الدول الخليجية الثلاث مجتمعة على نحو 67.5 % من رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البحرين، وهو ما يعكس عمق الروابط الاقتصادية الخليجية والثقة المتبادلة، لكنه يشير أيضا إلى أهمية تنويع المصادر الجغرافية للاستثمار، واستقطاب مزيد من رؤوس الأموال من الأسواق الآسيوية والأوروبية والأميركية، خصوصا في القطاعات التكنولوجية والصناعية والخضراء. ماذا تقول المؤشرات؟ تتمتع البحرين بمزايا تنافسية عدة، أبرزها الخبرة المصرفية والمالية المتراكمة، والانفتاح التشريعي، وتوافر الكفاءات، والارتباط بالسوق السعودية، وتطور الخدمات الرقمية، إلى جانب اتفاقيات التجارة والاستثمار الدولية. وقد أشار تقرير وزارة المالية والاقتصاد الوطني للربع الأول من 2026 إلى حصول البحرين على المرتبة الأولى في مؤشر جذب الاستثمار ضمن مؤشر تشاندلر للحوكمة الجيدة للعام 2026، والمرتبة السادسة عالميا في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. لكن هناك تحديات لا ينبغي تجاهلها، تشمل صغر السوق المحلية، والمنافسة المتزايدة من المراكز الخليجية الأخرى، والقيود المالية العامة، والحاجة إلى تطوير المهارات المتخصصة، فضلا عن ارتفاع حساسية الاقتصاد المفتوح لاضطرابات النقل والتجارة والطاقة علاوة بالطبع على نوعية الاستثمارات التي يتم استقطابها. وتبرز هنا مسألة مهمة: لا يكفي قياس النجاح بعدد المشروعات وقيمتها المعلنة، بل يجب معرفة نسبة ما نُفذ فعليا، وعدد الوظائف النوعية التي وفرتها للبحرينيين، وحجم الصادرات والقيمة المضافة ونقل التكنولوجيا الناتجة عنها. اتجاهات الاستثمار العالمي تتغير.. أين موقع البحرين؟ يشير تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر عالميا بنسبة 6 % خلال 2025 ليبلغ 1.6 تريليون دولار، إلا أن هذا التعافي كان محدودا وغير متوازن. وقد استحوذت أكبر عشرين دولة مستقبلة للاستثمارات على أكثر من 80 % من التدفقات العالمية، فيما أصبحت المشروعات الاستراتيجية، خصوصا البنية التحتية الرقمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، محورا متزايد الأهمية. وهذا التحول يفرض على البحرين الانتقال من الترويج العام لمزايا الاستثمار إلى استهداف أنشطة محددة تستطيع المنافسة فيها، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية والأمن السيبراني والتكنولوجيا المالية، مستفيدة من خبرتها المصرفية وبنيتها الرقمية. أما الاستثمار الأخضر فيتيح فرصا في الطاقة الشمسية وكفاءة الطاقة وإعادة التدوير وإدارة المياه والصناعات منخفضة الانبعاثات. ويمكن للبحرين أيضا استقطاب صناعات تصديرية متقدمة، خصوصا الصناعات الهندسية والدوائية والغذائية ومكونات التكنولوجيا، بدلا من الاقتصار على الصناعات التقليدية كثيفة الطاقة. وفي قطاع الخدمات، تبرز فرص الخدمات الصحية المتخصصة، والتعليم والتدريب الدولي، والخدمات المهنية، والمراكز الإقليمية لإدارة العمليات والمخاطر والامتثال، والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة. والميزة هنا أن كثيرا من هذه الأنشطة لا يحتاج إلى مساحات جغرافية كبيرة، لكنه يحتاج إلى كفاءات وتشريعات واتصالات موثوقة. التحدي الأمني.. كيف نحافظ على ثقة المستثمرين؟ تؤكد التطورات الإقليمية أن الاستقرار الأمني أصبح جزءا لا يتجزأ من تنافسية الاستثمار. وفي تقرير حديث صدر في 25 أكتوبر 2026، أشارت “الأونكتاد” إلى ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى دول مجلس التعاون بنسبة 18 % خلال 2025 لتبلغ نحو 99 مليار دولار، لكنها حذرت من أن المؤشرات الأولية للنصف الأول من 2026 تكشف عن تراجع في النشاط الاستثماري الإقليمي بفعل أزمة مضيق هرمز. وهذا يستدعي استراتيجية بحرينية تتعامل مع المخاطر دون الاستسلام لها. فأول الأولويات ينبغي أن تكون حماية الاستثمارات القائمة، من خلال التواصل المنتظم مع المستثمرين الرئيسين، وتحديد المشروعات المعرضة للتعطل، وتوفير ترتيبات بديلة للنقل والإمداد والطاقة والاتصالات. وثانيا، تطوير منظومة وطنية لاستمرارية الأعمال، تشمل خطط الطوارئ للمناطق الصناعية والمراكز المالية واللوجستية، وتوسيع التأمين ضد المخاطر السياسية والتجارية بالتعاون مع مؤسسات الضمان الإقليمية والدولية. ويمكن دراسة إنشاء تسهيلات ضمان مشتركة خليجيا، بدلا من تحميل البحرين وحدها كلفة مواجهة المخاطر. وثالثا، تسويق البحرين بوصفها جزءا من سوق خليجية مترابطة، وليس سوقا صغيرة منفصلة، عبر شراكات استثمارية وإنتاجية مع السعودية وبقية دول المجلس، والاستفادة من الممرات البرية والبحرية البديلة كلما أمكن. والأهم هو عدم الدخول في سباق مكلف لتقديم الإعفاءات المالية، فالمستثمر طويل الأجل يبحث عن استقرار التشريعات، وسرعة الإجراءات، وتوافر العمالة المؤهلة، وإمكان تحويل الأرباح، وضمان استمرارية العمليات، بقدر اهتمامه بالحوافز. هل تؤثر ضريبة الشركات في جاذبية الاستثمار؟ تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع مشروع فرض ضريبة بنسبة 10 % على أرباح الشركات، المتوقع تطبيقه ابتداء من يناير 2027، رهنا باستكمال الإجراءات التشريعية. ووفق التفاصيل المعلنة، يستهدف المشروع المنشآت التي تتجاوز إيراداتها السنوية مليون دينار أو أرباحها الصافية 200 ألف دينار، مع فرض الضريبة على الأرباح التي تتجاوز الحد المحدد. ويختلف ذلك عن ضريبة الحد الأدنى البالغة 15 % المطبقة منذ 2025 على مجموعات الشركات متعددة الجنسيات الكبرى التي تبلغ إيراداتها العالمية 750 مليون يورو على الأقل. ولا يمكن افتراض أن الضريبة الجديدة ستؤدي تلقائيا إلى تراجع الاستثمار، لكنها ستغير حسابات العائد المتوقع، خصوصا للمشروعات ذات الهوامش الربحية المحدودة، أو التي تستطيع الاختيار بين مواقع خليجية متعددة. ولذلك، فإن توقيت التطبيق في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية الراهنة يستحق دراسة متأنية. ومن الضروري إجراء تقييم سابق لأثر الضريبة في الاستثمارات الجديدة والقائمة، والنظر في حوافز قانونية مرتبطة بالتوظيف البحريني والبحث والتطوير والاستثمار الأخضر، مع مراعاة الالتزامات الضريبية الدولية. نحو استراتيجية استثمارية جديدة بأهداف قابلة للقياس تحتاج البحرين خلال السنوات الخمس المقبلة إلى استراتيجية متجددة للاستثمار الأجنبي تقوم على ثلاثة أهداف متكاملة: زيادة التدفقات الجديدة، وتنويع توزيعها القطاعي، وتعظيم عائدها الاقتصادي والاجتماعي. ويمكن اقتراح أهداف إرشادية، تخضع لدراسة جدوى تفصيلية، تشمل رفع حصة القطاعات التكنولوجية والصناعية والخدمات المتقدمة من الاستثمارات الجديدة، وزيادة الوظائف المتخصصة للبحرينيين، وتعزيز مساهمة الشركات الأجنبية في الصادرات غير النفطية، واستقطاب مشروعات نوعية في الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والصحة والصناعات المتقدمة. ولتحقيق ذلك، يقترح تطوير خريطة استثمارية تفصيلية تضم مشروعات محددة قابلة للتنفيذ، وتأسيس آلية متابعة للمستثمرين القائمين والجدد، وتنسيق الجهود بين مجلس التنمية الاقتصادية والوزارات والهيئات التنظيمية والقطاع الخاص، مع نشر مؤشرات دورية تقيس الاستثمارات المنفذة، وليس التعهدات المعلنة وحدها. كما ينبغي إعداد خطة استثنائية للترويج الاستثماري خلال المرحلة الراهنة، تستهدف المستثمرين الخليجيين والشركاء الدوليين، وتوضح بصورة واقعية إجراءات إدارة المخاطر وضمان استمرارية الأعمال، بدلا من الاكتفاء برسائل الترويج التقليدية.

هذا الخبر منقول من مصدره الإخباري. يمكنك متابعة التفاصيل الكاملة من المصدر الأصلي.
مدى العالم
المزيد من الأخبار

الهلال يعبر الفتح بثنائية ويستعيد صدارة “روشن”

معان: هيئة شباب كلنا الأردن تختتم دورة تدريبية في إعداد المدربين

رضائي عن رسالة فانس: واشنطن غيّرت لهجتها... وهذا «مؤشر جيد»

عرقاب يبحث مع البروفيسور زرهوني خفض انبعاثات الميثان وتطوير صناعة النفط والغاز

«لا ليغا»: ريال بيتيس يعمّق جراح مالاغا «المتذيّل» بثنائية

«البوندسليغا»: دورتموند يخطف التعادل من بايرن في «الكلاسيكر»... وكين يهدر ركلة جزاء

«جائزة المكسيك»: نوريس الأسرع في التجارب الحرة... وأنتونيلي على بعد خطوة من اللقب
